قصة من الميدان بقلم الملعلمة غدير خولي - المسار الحكومي

قبل مشاركتي في برنامج بناء قدرات المعلمين/ات للمرحلة الأساسية مع مؤسسة نُعلِّم لفلسطين، كنت أقدّم الدروس بأسلوبٍ تقليدي إلى حدٍّ ما؛ أحرص على إيصال المعلومة إلى الطلبة بصورة واضحة، لكنني كنت أشعر أحيانًا بأن التعلّم ينتهي بانتهاء الحصة، وأن دور الطالب/ة يقتصر على الاستماع والحفظ والإجابة عن الأسئلة. لذلك كنت أبحث دائمًا عن طرق تجعل الطالب/ة أكثر اندماجًا في عملية التعلّم، وأكثر قدرة على التفكير والإبداع وربط ما يتعلمه بحياته اليومية.

ثم جاءت مشاركتي في تدريب STEAM لتفتح أمامي آفاقًا جديدة في عالم التعليم. تعلّمت كيف يمكن للحصة الصفية أن تتحول إلى مساحة حقيقية للتفكير والاكتشاف، وكيف يصبح الطالب باحثًا صغيرًا ومهندسًا ومبتكرًا في الوقت نفسه. لم تعد المعلومة هي الهدف الوحيد من التعلّم، بل أصبحت طريقة الوصول إليها وتحليلها وتوظيفها جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية.

بعد انتهاء الدورة، شهد أسلوبي في التدريس تحولًا ملحوظًا؛ فأصبحت أطرح مشكلات واقعية تلامس حياة الطلبة، وأمنحهم فرصًا أكبر للتفكير والعمل الجماعي والتجريب والاستقصاء. كما ازداد إيماني بقدرات طلابتي وإمكاناتهم، وأدركت أن الأفكار العظيمة قد تنبثق من أبسط العقول عندما نمنحها الثقة والمساحة المناسبة للتعبير والإبداع.

ومن أجمل المواقف التي طبّقت فيها ما تعلمته من تدريب STEAM، ذلك النشاط الذي عرضت فيه على الطلبة مشكلة «العم أبو سمير»، المزارع الذي كان يعاني من هجوم الطيور على سنابل القمح الناضجة والتغذي عليها قبل موسم الحصاد، مما يسبب له خسائر كبيرة في محصوله. حيث طلبت منهم التفكير في حلول عملية ومبتكرة تساعد العم أبو سمير على حماية محصوله.

كانت لحظة مميزة وأنا أستمع إلى أفكارهم المبدعة؛ فقد اقترح بعضهم تصميم مجسم متحرك يصدر أصواتًا لإبعاد الطيور، بينما فكّر آخرون في استخدام أشرطة عاكسة للضوء، واقترح فريق آخر صنع دمية تشبه الإنسان توضع بين المحاصيل لإخافة الطيور. كما طرح بعض الطلبة أفكارًا ذكية تعتمد على الحركة أو الأصوات الطبيعية. والأجمل من ذلك أن كثيرًا من هذه الحلول كانت تدور في ذهني أيضًا، لكن رؤيتي للطلبة وهم يتوصلون إليها بأنفسهم أكدت لي القيمة الحقيقية للتعلّم القائم على التفكير والاستقصاء وحل المشكلات.

ولتحويل الأفكار إلى واقع ملموس، قمتُ بتقسيم الطلبة إلى مجموعات عمل تعاونية، بحيث تولّت كل مجموعة تصميم وتنفيذ نموذجٍ أو مجسمٍ يجسد فكرتها الخاصة لإبعاد الطيور عن المحاصيل. انطلق الطلاب في البحث والتخطيط والرسم ثم استخدام الخامات المتاحة لصناعة مجسماتهم، فعملت إحدى المجموعات على تصميم مجسم متحرك، بينما أنجزت مجموعة أخرى نموذجًا يعتمد على الأشرطة العاكسة للضوء، وصممت مجموعة ثالثة دمية تحاكي شكل الإنسان، في حين ابتكرت مجموعات أخرى نماذج تعتمد على الحركة أو إصدار الأصوات. وقد أتاح هذا النشاط للطلاب فرصة تطبيق أفكارهم عمليًا، وتنمية مهاراتهم في التصميم والهندسة والعمل الجماعي وحل المشكلات، مما جعل تجربة التعلم أكثر متعة وعمقًا وأثرًا.

لقد كان لتدريبSTEAM  أثرٌ عميق في تطوري المهني؛ فهو لم يغيّرني كمعلمة فحسب، بل غيّر أيضًا نظرتي إلى قدرات الطلبة وإمكاناتهم. أصبحت أرى في كل طالب/ة فكرةً تستحق أن تُسمع، وعقلًا قادرًا على الإبداع متى وجد البيئة الداعمة والمحفزة. أما طلبتي، فقد أصبحوا أكثر حماسًا وثقةً بأنفسهم، وأكثر قدرةً على التعاون وحل المشكلات والتفكير بأسلوب علمي مبتكر.

كانت هذه التجربة نقطة تحول حقيقية في مسيرتي المهنية؛ رحلة تعلم لم تغيّر أسلوب تدريسي فحسب، بل عززت إيماني بأن التعليم الحقيقي هو ذلك الذي يصنع مفكرين ومبدعين قادرين على مواجهة تحديات الحياة بثقة وإبداع، ويمنحهم الأدوات اللازمة لصناعة مستقبل أفضل لأنفسهم ولمجتمعاتهم.