أنا المعلمة مريم بدر، متدربة في برنامج بناء قدرات الخريجين والخريجات للمرحلة الأساسية (من الصف الأول حتى الرابع) الذي تنفذه مؤسسة نعلّم لفلسطين، وأعمل معلمة مرحلة أساسية في مدرسة ابن خلدون التطبيقية.
خلال مشاركتي في تدريب التعليم المناخي مع مؤسسة نعلّم لفلسطين، اكتسبت مجموعة من المهارات التي غيّرت نظرتي لدور المعلم/ة داخل الصف. أدركت أن التعليم المناخي لا يقتصر على تقديم معلومات عن البيئة والمناخ، بل يقوم على إشراك الطلبة في الممارسة الفعلية، وتمكينهم من القيادة، وتنمية قدرتهم على إيجاد حلول للمشكلات البيئية في محيطهم.
بعد انتهاء التدريب، بدأت أفكر في كيفية توظيف ما تعلمته في حصصي اليومية. وأثناء تحضيري لوحدة "المحافظة على الغطاء النباتي" ضمن مبحث التنشئة الوطنية والاجتماعية للصف الأول، لاحظت وجود مساحات ترابية فارغة حول المدرسة. رأيت فيها فرصة تعلّمية حقيقية تربط بين أهداف الوحدة الدراسية ومبادئ التعليم المناخي التي تدربت عليها.
التخطيط للحصة
صممت النشاط ليحقق عدة أهداف تعلّمية مرتبطة بالمنهاج: أن يتعرف الطلبة على احتياجات النبات الأساسية (التربة، الماء، الضوء)، وأن يمارسوا مهارة العمل الجماعي وتوزيع الأدوار، وأن يطوّروا حس المسؤولية تجاه بيئتهم المدرسية.
حضّرت مسبقاً الأدوات اللازمة مثل: شتلات صغيرة، تربة زراعية، أدوات حفر مناسبة لأعمار الطلبة، وأوعية للري. كما نسّقت مع إدارة المدرسة للحصول على الموافقة لاستخدام المساحات الخارجية.
بداية الحصة
بدأت الحصة بعرض صورتين على اللوح: صورة لساحة مدرسية خضراء مليئة بالأشجار، وصورة لساحة ترابية فارغة تشبه ساحة مدرستنا. سألت الطلبة:
"أي مدرسة تحبون أن تكون مدرستكم؟ ولماذا؟"
تفاعل الطلبة بحماس واختاروا المدرسة الخضراء. ثم سألتهم:
"ماذا يمكن أن نفعل نحن لنجعل مدرستنا مثلها؟"
بدأت الأفكار تتدفق:
"نزرع ورد!"
"نحط شجر!"
"نحتاج تراب وماء!"
استثمرت إجاباتهم لمراجعة ما تعلموه سابقاً عن احتياجات النبات، وربطت ذلك بما سنقوم به عملياً.
تنفيذ النشاط
قسّمت الطلبة إلى أربع مجموعات، كل مجموعة مكوّنة من خمسة طلبة. طلبت من كل مجموعة أن تختار قائداً لها، ثم وزّعنا الأدوار داخل كل مجموعة:
مسؤول الحفر، مسؤول التربة، مسؤول الزراعة، مسؤول السقاية، ومسؤول التوثيق الذي يرسم ما تقوم به المجموعة.
شرحت لهم أن كل دور مهم، وأن نجاح العمل يعتمد على تعاون الجميع.
انتقلنا إلى الساحة، حيث خصصت لكل مجموعة مساحة للعمل. بدأ الطلبة بالحفر، ثم وضع التربة الزراعية، وبعدها غرس الشتلات وسقايتها. كان دوري خلال هذه المرحلة المراقبة والتوجيه عند الحاجة، دون التدخل المباشر.
مواقف وتحديات أثناء العمل
واجهتنا بعض التحديات الواقعية. فقد وجدت إحدى المجموعات أن التربة قاسية وصعبة الحفر. بدلاً من تقديم الحل مباشرة، سألتهم:
"ماذا يمكن أن تجربوا؟"
اقترح أحد الطلبة سكب قليل من الماء على التربة لتليينها، وجرّبوا الفكرة ونجحت.
في مجموعة أخرى، اختلف طالبان حول من سيزرع الشتلة. وجّهتهم بسؤال:
"كيف يمكن أن تتعاونا معاً بدل أن يعمل كل واحد لوحده؟"
فقررا أن يمسك أحدهما الشتلة بينما يضع الآخر التربة حولها.
كانت هذه اللحظات بالنسبة لي الأكثر قيمة، لأن الطلبة مارسوا مهارات حل المشكلات والتفاوض بشكل طبيعي وحقيقي.
التأمل بعد النشاط
عدنا إلى الصف وطلبت من كل مجموعة أن تشارك شيئين: ماذا زرعنا؟ وماذا تعلّمنا؟
استمعت لإجاباتهم ودوّنتها على اللوح. ثم سألتهم:
"ماذا يحتاج النبات الذي زرعناه ليكبر؟"
وربطت إجاباتهم بأهداف الوحدة الدراسية.
اتفقنا أيضاً على أن تتولى كل مجموعة مسؤولية رَي الشتلات التي زرعتها خلال الأسابيع القادمة. كما رسم كل طالب وطالبة في دفتره صورة لما زرعه، وكتب اسم النبتة بمساعدة زميله.
لم يكن هذا النشاط مجرد زراعة بعض الشتلات—بل كان تطبيقًا مباشرًا لما تعلمته في تدريب التعليم المناخي: جعل الطلبة قادة في تعلمهم، وربط الدروس ببيئتهم الحقيقية، وتحويل دور المعلمة من مجرد تقديم المعلومات إلى تيسير العملية التعليمية ودعم الطلبة في إيجاد الإجابات بأنفسهم.
لاحظت أنه عندما عمل الطلبة بأيديهم في بيئة حقيقية، تعلموا أكثر مما كانوا سيتعلمونه من الشرح النظري عن النباتات. ورأيت طلبة الصف الأول يتفاوضون، ويحلّون المشكلات، ويقودون مجموعاتهم—وهي مهارات لم أتوقع رؤيتها بوضوح بهذا العمر.
أؤمن الآن بثقة أن التعلم الحقيقي يحدث عندما نمنح الطلبة الفرصة ليكونوا جزءًا من الحل، وأن خطوة صغيرة مثل زراعة شتلة يمكن أن تزرع فيهم قيم المسؤولية والعمل الجماعي والوعي البيئي.