قصة من الميدان للمعلمة رغدة أبو يعقوب

المعلمة رغدة أبو يعقوب – المسار الحكومي

لم تكن حصة اللغة العربية في ذلك اليوم حصة عادية، بل كانت تجربة حيّة مليئة بالحماس والتفكير.

في ذلك اليوم، كان درسنا بعنوان "من أخلاقنا – مساعدة كبار السن" لطلبة الصف الثالث. دخلت إلى صفي بعد أن رحبت بهم، لكنني بدأت الحصة بطريقة مختلفة. عرضت سكتشًا قصيرًا على الشاشة يُظهر ولدًا يرفض أن يعطي مقعده لسيدة مسنة في الحافلة — عكس ما ورد في الدرس.

نظرت إليهم وسألت:
"تخيلوا أن هذا الموقف حدث وأنتم في الباص… ماذا ستفعلون؟"

بدأت التعليقات تتعالى:
"هذا ليس تصرفًا جيدًا."
"يجب أن يساعدها."

كنت أرى التفكير يبدأ بالتشكل.

ثم طرحت سؤالًا آخر:
"تخيلوا أنكم في الطريق، وهناك رجل عجوز يريد الذهاب إلى المستشفى لأنه يشعر بالتعب، لكنه لا يعرف كيف يصل… ماذا يمكننا أن نفعل لمساعدته؟"

توقفت قليلًا… وبدأت العيون تلمع بالفضول.

في تلك اللحظة، استحضرت استراتيجيات المهارات الحياتية وSTEM التي تعلمتها في تدريبي في برنامج بناء قدرات المعلمين/ات مع مؤسسة نُعلِّم لفلسطين. لم أرد أن ألقّنهم القيم، بل أن أجعلهم يصممون الحلول بأنفسهم.

قلت لهم:
"اليوم سنعمل كمجموعات لنفكر ونصمم حلولًا."

قسمت الطلبة إلى ست مجموعات، وعلّقت في الصف لافتة كتبت عليها: الوقت – الهدوء – الأداء. هذه الأداة تعلمتها في تدريب المهارات الحياتية لتعزيز الانضباط الذاتي وتحفيز المسؤولية، وشرحت لهم معناها ووزعت أسماء المجموعات.

 انطلقت ورشة العمل

  • المجموعة الأولى صممت حافلة تحتوي على مقاعد مخصصة لكبار السن والمرضى.
  • المجموعة الثانية رسمت الطريق الذي يمكن أن يسلكه العجوز للوصول إلى المستشفى بأمان.
  • المجموعة الثالثة صممت إشارة مرور لتنظيم السير ومساعدة العجوز على العبور.
  • المجموعة الرابعة كتبت القيم التي تعلمناها: مساعدة كبار السن، الرحمة، التعاون.
  • المجموعة الخامسة خططت لسكتش يُظهر المشكلة والحل.
  • المجموعة السادسة ناقشت حلولًا إبداعية لأسئلة مثل:
    • ماذا نفعل لو لم يوجد مكان في الحافلة؟
    • ماذا لو لم يساعده أحد؟

تحول الصف إلى ورشة عمل حقيقية.
نقاش، رسم، تخطيط، أفكار تتدفق… كنت أرى التعلُّم يحدث أمامي.

لقد أخذتُ استراتيجية التعلم التعاوني المنظم من تدريبي وطبقتها من خلال توزيع الأدوار بوضوح داخل كل مجموعة، بحيث شعر كل طالب أن له دورًا ومسؤولية. كما طبّقت التعلم القائم على حل المشكلات من منهجية STEM عندما وضعتهم أمام موقف حياتي يتطلب التفكير والتصميم وليس الإجابة الجاهزة.

عند تصميم الطريق والحافلة وإشارة المرور، استخدم الطلبة التفكير الهندسي في التخطيط والرسم، والتفكير العلمي عند مناقشة البدائل، ومهارات حل المشكلات عندما بحثوا عن حلول في حال عدم توفر مقعد.

وفي لحظة مميزة، أدخلت أحد الطلبة وهو يرتدي زيّ شرطي. كان دوره أن يكون قائد الطريق، يشرح قواعد المرور وينظم السيارات والشوارع. اندمج الطلبة معه بحماس، وكأن المشهد أصبح واقعًا حيًا.

بعد انتهاء العمل، عرضت كل مجموعة ما أنجزته، ثم قمنا بالتصويت للمجموعة الفائزة ووزعت الجوائز. لكن الجائزة الحقيقية كانت في شعورهم بالفخر والثقة.

لحظة التأمل

في نهاية الحصة سألتهم:
"ماذا تعلمنا اليوم؟"

فقالوا:

  • أن نساعد كبار السن.
  • أن نفكر في حلول للمشكلات.
  • أن التعاون يجعلنا نساعد الآخرين بشكل أفضل.

خرج الطلبة من الحصة وهم يشعرون أنهم لم يتعلموا قصة فقط، بل تعلموا كيف يكونون أشخاصًا يساعدون الآخرين في حياتهم اليومية.

أما أنا، فخرجت وأنا أكثر إيمانًا بأن ما تلقيته من تدريب مع نعلم لفلسطين لم يكن مجرد برنامج تدريبي، بل تجربة غيّرت ممارستي التعليمية. أصبح الصف مساحة للتفكير الناقد، والعمل الجماعي، والتصميم، والتعاطف.

وهكذا تحولت حصة "من أخلاقنا" إلى تجربة تعلم حيّة، تجمع بين القيم والمهارات الحياتية ومنهجية STEM… وتؤكد أن التعليم الحقيقي هو الذي يربط المعرفة بالحياة.