مرح سيف
قصة نجاح المعلمة مرح سيف – حين تحوّل الفن إلى رحلة تعلّم حيّة
لم تكن رحلة المعلمة مرح سيف في التعليم مجرد انتقال إلى وظيفة جديدة، بل كانت بداية لاكتشاف ذاتها من جديد. منذ الأيام الأولى لوقوفها أمام طلاب المرحلة الأساسية كمعلمة فنون، شعرت بأن الصف يحتاج إلى شيء مختلف… إلى مساحة أوسع من الألوان، وأبعد من التلقين. مساحة يستطيع فيها الطفل أن يتحرك، ويسأل، ويتعاون، ويخترع، ويعبر عن عالمه الداخلي دون خوف.
في أولى الحصص، نظرت مرح إلى طلبتها الجالسين في صفوف مرتبة بدقة؛ وجوه صغيرة تنتظر تعليمات جاهزة. ابتسمت بداخلها، وكأنها تسمع صوتًا يقول: "التغيير يبدأ من هنا." اقتربت من السبورة وبدلًا من أن تشرح الدرس المعتاد، سألتهم:
"ما الذي تحبون رسمه لو كنتم تملكون حرية اختيار أي شيء؟"
انهالت الأيدي المرفوعة. بدأت العقول الصغيرة تشتعل أفكارًا. وهكذا، بدأت أول تجربة "عصف ذهني" دون أن يشعر الطلاب أنها استراتيجية تعليمية؛ كانت مجرد لحظة صادقة تمنحهم صوتًا.
في الأيام التالية، أصبح الصف يعيش على إيقاع الحركة. كانت مرح تقسم الطلاب إلى مجموعات صغيرة، بحيث يعمل كل فريق على لوحة مشتركة تحكي قصة خاصة بهم. وفي أثناء العمل، كانوا يتفاوضون، يتشاركون الألوان، ويكتشفون قوة العمل الجماعي. لم تكن تدريبات تعلّم تعاوني فقط؛ كانت دروسًا في احترام الأدوار وتقبّل الآخر.
وبينما كانت تراقبهم، شعرت مرح أن شيئًا ما يتغير بالفعل: الطفل الخجول بدأ يتحدث، والطفلة المتسرّعة أصبحت تنتظر دورها، فأصبح خلط الألوان مساحة يفرّغ فيها طاقتهم ليصنع منها جمالًا.
ولأن مرح تؤمن بأن التعلم يجب أن يكون تجربة ممتعة، كانت تدخل عنصر اللعب في الحصة. في إحدى المرات، أعلنت أنَّ الألوان ستختار من يرسمها، وليس العكس. ضحك الطلبة وهم يسحبون بطاقات صغيرة تحمل أسماء الألوان، ثم يحاولون ابتكار رسومات تتناسب مع اللون المختار عشوائيًا. كانت اللعبة بسيطة، لكنها حرّرت خيالهم وفتحت أمامهم طرقًا غير مألوفة للتفكير.
أما المشاريع الفنية الممتدة فكانت أكثر ما يحمسهم. مشروع "ألوان مدينتي" جعل الأطفال يخرجون إلى ساحة المدرسة يراقبون الأبواب، النوافذ، الأشجار، والوجوه. عاد الأطفال ومعهم قصص صغيرة، وكل مجموعة صاغت قصة أكبر، تحولت في النهاية إلى لوحة جدارية ملونة تزيّن ممر المدرسة. لم تكن مجرد مشاريع فن، بل تجارب تعلّم بالمشاريع تُشعر الطلبة بقيمة إنجازاتهم.
ومع كل خطوة، كانت مرح تستخدم تقييمًا بنائيًا ناعمًا، تُمسك لوحة طفل، وتقول له:
"أعجبني كيف استخدمت الأزرق هنا… ماذا لو جربت إضافة ظل خفيف هنا؟"
كانت كلمات بسيطة، لكنها تفتح للأطفال بابًا لفهم عملهم، وتحسّين مهاراتهم دون أن يشعروا برهبة التقييم.
يوماً بعد يوم، أصبحت غرفة صف مرح مساحة للنبض. لم تعد مجرد غرفة دراسة، بل ورشة تفاعلية، صوت فيها للحوار، والحركة، والفضول. لم يعودوا الطلبة يجلسون وينتظرون؛ صاروا يبحثون ويسألون ويجربون.
وفي نهاية كل يوم، كانت مرح تعود إلى بيتها وهي تشعر بطاقة جديدة. لم تعد ترى نفسها معلمة فقط، بل شريكة في صنع تغيير صغير ينمو داخل كل طفل. كانت تقول دائمًا:
"حين يؤمن الطلبة بأنفسهم، يبدأ التعليم الحقيقي."
وهكذا، كتبت مرح سيف قصتها…
قصة معلمة جعلت من الفن نافذة للتعلُّم النشط، ومن الصف مساحة حياة، ومن كل طفل وطفلة مشروع أمل ينتظر أن يكتمل.